لماذا لا يعرف أكثر الناس مواهبهم؟
سؤال «ما موهبتي؟» يُطرح في البحث العربي آلاف المرّات كل يوم، وهذا وحده يخبرنا شيئًا:
المشكلة ليست فردية. ليس الأمر أن ملايين الأشخاص وُلدوا بلا مواهب، بل أن الطريقة التي
نبحث بها عن الموهبة معطوبة من أساسها. وهذه أربعة أسباب متكرّرة تفسّر الحيرة.
أولًا: تعريف خاطئ للموهبة
حين نسمع كلمة «موهبة» يقفز إلى الذهن شيء لافت ومرئي: الرسم، الغناء، العزف، الشعر،
كرة القدم. وهذه مواهب حقيقية بلا شكّ، لكنها فئة ضيّقة جدًا من فئة أوسع بكثير. الموهبة
في معناها العملي هي أيّ ميل طبيعي يجعلك تؤدّي شيئًا بجودة أو سرعة تفوق المتوسّط
وأنت مرتاح.
الشخص الذي ينظّم الفوضى تلقائيًا موهوب. والذي يشرح المعقّد ببساطة موهوب. والذي يلاحظ
الخلل الذي يمرّ عليه الجميع موهوب. والذي يهدّئ شخصًا غاضبًا في دقيقتين موهوب. لكن لا
أحد من هؤلاء يسمّي ما يفعله «موهبة»، لأن التعريف الشائع علّمنا أن الموهبة يجب أن تكون
استعراضية.
ثانيًا: ما تتقنه يصير غير مرئي لك
هذه أعمق مفارقة في الموضوع. حين تكون بارعًا في شيء بشكل طبيعي، فإنك تؤدّيه بلا جهد
واعٍ، وما يُؤدّى بلا جهد لا يُلاحَظ. فتفترض أن الجميع يفعله بالسهولة نفسها — ومن هنا
تأتي الجملة الشهيرة: «هذا شيء عادي، أيّ أحد يستطيع فعله».
وهي جملة خاطئة في أغلب الأحيان. الدليل العملي أن الآخرين يلجؤون إليك في هذا الشيء
تحديدًا دون غيره. أنت لا ترى قوّتك لأنك داخلها، ومن حولك يرونها بوضوح لأنهم خارجها.
ثالثًا: البحث في الاتجاه الخاطئ
كثيرون يبحثون عن الموهبة بسؤال «ماذا أحبّ؟». وهو سؤال مهمّ لكنه غير كافٍ: الحبّ يخبرك
بما يجذبك، لا بما تجيده. قد تحبّ مجالًا وتظلّ متوسّطًا فيه سنوات، وقد تكون ممتازًا في
شيء لم تنتبه إليه لأنه لم يثر حماسك يومًا. السؤال الأنفع هو: أين أتقدّم أسرع
من غيري بالجهد نفسه؟
رابعًا: انتظار «اللحظة» التي لا تأتي
الصورة الشائعة أن الموهبة تُكتشَف في لحظة انكشاف مفاجئة. الواقع أنها تظهر تدريجيًا
عبر التجربة والملاحظة والتغذية الراجعة المتكرّرة. من ينتظر اللحظة يبقى ينتظر، ومن يجرّب
ويلاحظ نتائج تجاربه يجد الإجابة خلال أشهر.
الخلاصة العملية: لا تسأل «ما موهبتي؟» كسؤال مجرّد ينتظر إلهامًا.
اسأل بدلها ثلاثة أسئلة قابلة للإجابة: ما الذي أتعلّمه أسرع من غيري؟ وما الذي يطلب منّي
الناس المساعدة فيه؟ وأيّ نوع من المشكلات أستمتع بحلّه حتى حين يكون صعبًا؟ التقاطع
بينها هو موهبتك.